المجله القانونيه - أضف مقالتك - مقالات قانونيه - الصفحه الرئيسيه
نظرية الاحالة في القانون الجزائري مقارنا
مقدمة: يعتبر التكييف عملية أولية و ضرورية بالنسبة للقاضي متى تعلق الأمر بعلاقة قانونية تخللها عنصر أجنبي حيث يساعد على تحديد قاعدة الإسناد التي يتعين الرجوع إليها لتبيان القانون الواجب التطبيق، إلا أنه و نظرا للطبيعة المزدوجة التي تتسم بها قواعد الإسناد في الكثير من الأنظمة القانونية كما هو الأمر بالنسبة إلى الجزائر ( أي إخضاع العلاقة المعروضة إما للقانون الوطني أو القانون الأجنبي ) فإن القاضي قد يجد نفسه أمام تنازع إيجابي أو تنازع سلبي و ذلك حين تطبيقه لقواعد الإسناد الواردة في قانونه. فحالة التنازع الإيجابي تحدث حينما يقرر كل من القانونين الوطني و الأجنبي اختصاصه بحكم العلاقة محل النزاع، مثال ذلك، أن ألماني مات في فرنسا أين يوجد موطنه الأخير تاركا وراءه أموالا منقولة، فإذا كان القضاء الألماني هو الذي عرضت عليه مسألة ميراث هذا المتوفى فإنه سيطبق عليه قانونه الألماني على أساس أن قواعد الإسناد فيه تقضي بخضوع الميراث في المنقولات إلى قانون جنسية المتوفى. لكن لو أن هذه المسألة طرحت على القضاء الفرنسي فإنه سيطبق عليها القانون الفرنسي على أساس أن القانون الفرنسي يخضع الميراث في المنقول لقانون موطن المتوفى.فإن حدث ذلك فمن المتفق عليه فقها و قضاءا أن القاضي المرفوع إليه النزاع يطبق قاعدة الإسناد الواردة بقانونه دون مراعاة الحكم الوارد بقاعدة الإسناد الواردة في القانون الأجنبي. و أما حالة التنازع السلبي، فتحدث حينما يرفض كل من القانونين حكم العلاقة القانونية المعروضة، كأن يتولى إنجليزي متوطن بفرنسا إجراء تصرف متعلق بحالته فإن القانون الفرنسي يعطي الإختصاص للقانون الإنجليزي باعتباره قانون الجنسية، فيحين أن القانون الإنجليزي يرفض حكم هذه العلاقة و يمنح الإختصاص للقانون الفرنسي باعتباره قانون الموطن. فأمام هذه الحالة المتمثلة في رفض كل من القانونين حكم العلاقة القانونية أي حل نتبع؟ هذا المثال يجسد لنا الصورة العملية التي أدت إلى خلق نظرية الإحالة، فما المقصود بالإحالة؟ و هل هي محل تطبيق في جميع الأنظمة القانونية؟ و ما موقف المشرع الجزائري منها؟ هذا ما سأحاول الإجابة عليه تبعا وفق الخطة التالية: المبحث الأول: النظرية العامة للإحالة. المطلب الأول: مفهوم الإحالة و موقف الفقه منها بين مؤيد ومعارض. المطلب الثاني: نطاق تطبيق نظرية الإحالة. المبحث الثاني: نظرية الإحالة في القانون الجزائري مقارنا. المطلب الأول: موقف القانون المقارن من نظرية الإحالة. المطلب الثاني: موقف المشرع الجزائري من نظرية الإحالة قبل و بعد تعديل القانون المدني لسنة 2005. خاتمة. المبحث الأول: النظرية العامة للإحالة. لكل دولة قاعدة قانونية موضوعية داخلية تطبق على رعاياها في علاقاتهم الداخلية، و إلى جانبها قواعد أخرى خاصة بتنازع القوانين ( داخلة في القانون الدولي الخاص ) تطبق على العلاقات التي تشمل على عنصر أجنبي، فإذا وجب تطبيق قانون أجنبي فهل يكون معنى ذلك أن تطبق قواعده الداخلية البحتة؟ أو أن تطبق أيضا قواعد التنازع فيه؟ و موقف القاضي في ذلك يتوقف على مناصرته أو معارضته لفكرة الإحالة، فإن أخذ بفكرة الإحالة فإنه سيطبق قواعد الإسناد في القانون الأجنبي المختص حتى و إن اختلفت مع قواعد الإسناد لقانونه؟ و إن حدث ذلك فهل ينطبق هذا الحكم على كل الحالات المعروضة عليه؟ و إن لم يسلم بالإحالة فسوف لن يأخذ بقواعد الإسناد للقانون الأجنبي و يكتفي منه بتطبيق قواعده الموضوعية. و من هنا فإنني سأحاول الإجابة على هذه التساؤلات مقسمة هذا المبحث إلى مطلبين، أتناول في الأول مفهوم الإحالة مبينة أنواعها و موقف الفقه منها بين مؤيد و معارض، أما في المطلب الثاني سأبين نطاق تطبيق نظرية الإحالة إن كانت تطبق على كل الحالات المعروضة أو على بعضها فقط. المطلب الأول: مفهوم الإحالة و موقف الفقه منها بين مؤيد و معارض. سأقسم هذا المطلب إلى قسمين أتناول في الأول ما المقصود بالإحالة و صورها، أما القسم الثاني فسأخصصه لموقف الفقه من نظرية الإحالة بين مؤيد و معارض مع تبيان الحجج و الأسس التي يبررون بها موقفهم. الفرع الأول: المقصود بالإحالة و صورها. تثور مسألة الإحالة بصدد التنازع السلبي أي تلك الحالة التي يحيل فيها كل من القوانين المعينة إلى أحكام قانون آخر. و دواعي نشأة هذه النظرية يمكن تفسيرها في كون كل دولة تتولى عادة وضع نوعين من القواعد لحكم العلاقات القانونية: فهناك قواعد داخلية تسري على العلاقات التي تنشأ داخل الدولة، و بجانبها قواعد إسناد تتولى تعيين القانون الواجب التطبيق متى تعلق الأمر بعلاقة قانونية منطوية على عنصر أجنبي. ففي الجزائر مثلا وضع المشرع قوانين مدنية و تجارية بغية تنظيم العلاقات التي قد تنشأ داخل الإقليم الجزائري، و إلى جانب هذه الأحكام القانونية الداخلية وضع قواعد إسناد ( فيما يخص تنازع القوانين) في المواد من 9 إلى 24 من القانون المدني لتعين القاضي الجزائري على تحديد القانون الواجب التطبيق على العلاقة القانونية المتضمنة عنصرا أجنبيا فإذا تصدى القاضي لإعمال نظرية قاعدة ألإسناد الوطنية و أشارت إلى تطبيق قانون أجنبي معين، فالتساؤل يثور حول المقصود بهذا القانون، هل يرجع إلى القانون الأجنبي فــي جـملتـه بما يترتب على ذلك من ضرورة استشارة قواعد القانون الدولي الخاص فيه و التي قد تقضي بالإحالة إلى قانون آخر؟ أم أن على القاضي أن يرفض الإحالة و يتجه مباشرة إلى القواعد الموضوعية في القانون ألأجنبي و يطبقها على واقعة الدعوى دون اعتداد بقواعد التنازع التي يتضمنها هذا القانون؟. فإذا قلنا بأنه يرجع إلى الأحكام الداخلية دون قواعد الإسناد الواردة في القانون الأجنبي كنا من معارضي الإحالة، و إذا قلنا بخلاف ذلك، أي منحناه حق الرجوع إلى قاعدة الإسناد الأجنبية و المتعلقة بتحديد القانون الواجب التطبيق فإننا سنكون من أنصار نظرية الإحالة. و غني عن البيان أن مشكلة الإحالة لا تثير أدنى صعوبة فيما لو اتحدت قواعد الإسناد في كل من دولة القاضي و الدولة الأجنبية، كما لو عرض على القاضي المصري نزاع يتعلق بأهلية أحد الفرنسيين، إذ لا خلاف في شأن وجوب تطبيق القانون الفرنسي في هذه الحالة بوصفه القانون الذي تشير به قاعدة الإسناد في كل من مصر و فرنسا. و إنما تثور الصعوبة فيما لو اختلفت قاعدة الإسناد في القانون الأجنبي عنها في قانون القاضي، كما هو الحال فيما لو عرض على القضاء الفرنسي مثلا نزاع يتعلق بأهلية انجليزي متوطن في فرنسا، فبينما تقضي قاعدة الإسناد الفرنسية إلى تطبيق القانون الإنجليزي ( باعتباره قانون الجنسية ) نجد أن قواعد التنازع في هذا الأخير تشير على العكس بتطبيق القانون الفرنسي بوصفه قانون الموطن. و من هنا تثور مشكلة الإحالة: هل ينصاع القاضي الفرنسي لقاعدة الإسناد الإنجليزية التي تحيل إلى أحكام القانون الفرنسي، أم يطبق القواعد الموضوعية في القانون الإنجليزي دون أن يعبأ بما تشير به قواعد الإسناد في هذا القانون؟ و تتخذ الإحالة صورتان: إحالة من الدرجة الأولى، و إحالة من الدرجة الثانية مع الإشارة أن جل التشريعات التي تقبل الأخذ بالإحالة تأخذ بالإحالة من الدرجة الأولى دون الإحالة من الدرجة الثانية 1ـ الإحالة من الدرجة الأولى: و تكون لما تحيل قواعد الإسناد في القانون الأجنبي الاختصاص إلى قانون القاضي و مثال ذلك أن يتعلق الأمر بأهلية بريطاني متوطن بفرنسا، فتشير قاعدة الإسناد الفرنسية إلى تطبيق القانون البريطاني باعتباره قانون الجنسية، غير أن قاعدة الإسناد المعمول بها في القانون البريطاني تحيل بدورها على القانون الفرنسي باعتباره قانون الموطن، فإن قبل القاضي الفرنسي هذه الإحالة إلى قانونه الوطني كنا بصدد الإحالة من الدرجة الأولى و التي يفضل بعض الفقه تسميتها " بالرجوع " 2ـ إحالة من الدرجة الثانية: و يحدث ذلك متى أحال القانون الأجنبي الذي أشارت إليه قاعدة الإسناد في قانون القاضي على قانون ثالث، كما لو تعلق الأمر بأهلية بريطاني متوطن في النرويج، فإذا رفع نزاع متعلق بهذه الأهلية أمام القضاء الفرنسي فإن الإختصاص سيعطى للقانون البريطاني باعتباره قانون الجنسية، غبر أن القانون البريطاني يحيل على قانون الموطن و هو هنا القانون النرويجي، وقد تحيل قاعدة الإسناد الواردة بهذا القانون إلى قانون ثالث و هكذا دواليك.... و تعتبر الإحالة قضية حديثة نسبيا و قد كانت بشكل خاص نتاجا اجتهاديا و يستشهد عموما بقرار قضائي انجليزي لعام 1841 و بقرار آخر صادر عن محكمة لوبيك الألمانية سنة 1861، غير أنه يشار بشكل خاص إلى قرار قضائي يدعى " قرار فورجوFORGO " صدر عن محكمة النقض الفرنسية بتاريخ 24 جوان 1878 حيث تم طرح الموضوع و حله بوضوح ( و بالذات الإحالة من الدرجة الأولى) تتلخص هذه الوقائع في أن فورجو ولد غير شرعي من الجنسية البافارية أقام في فرنسا من الخامسة من عمره حتى وفاته في سن الثامنة و السبعين تاركا ثروة منقولة، طالب بها حواشي المتوفى الطبيعيون وفقا لما يرتبه القانون البافاري، كما طالبت بها الحكومة الفرنسية أيضا باعتبارها مالكة للأموال التي لا وارث لها حسب القانون الفرنسي. و لدى الرجوع إلى قاعدة الإسناد في القانون الفرنسي ظهر أنها تخضع الميراث في المنقولات لقانون الموطن القانوني للمتوفى ( و هو في هذه الحالة القانون البافاري) نظرا لأن فورجو ـ رغم طول إقامته في فرنسا ـ فإنه لم يكتب فيها موطنا قانونيا وفقا للقانون الفرنسي الذي يتطلب حينذاك إذنا رسميا بالتوطن، و حيث أن فورجو لم يحصل على مثل هذا الإذن فقد وجب على القاضي الرجوع إلى القانون البافاري ـ قانون موطن المتوفى ـ لحكم النزاع القائم حول أيلولة تركة فورجو، و لما كانت قواعد الإسناد في القانون البافاري تخضع أيلولة التركة لمحل إقامة المتوفى المعتاد و هو هنا القانون الفرنسي الذي لا يعترف للحواشي الطبيعيين بالإرث إلا إذا كانوا من إخوان أو أخوات المتوفى، و حيث أنهم من غير هؤلاء فقد رفضت المحكمة طلبهم و حكمت بأيلولة التركة للحكومة الفرنسية باعتبارها وارثة للأموال التي لا وارث لها. و بهذا يكون القضاء الفرنسي قد أخذ بما أحال إليه القانون البافاري و استبعد القانون الذي أمرت به قواعد إسناده و أعطى الإختصاص لقانون السكن الفعلي حسبما جاء بقواعد إسناد القانون الأجنبي و لقد أدت الصورة العملية للإحالة ( من الدرجة الأولى و الإحالة من الدرجة الثانية ) إلى حدوث نقاش فقهي واسع بين مؤيدي الإحالة و معارضيها. فما هي الحجج التي قدمها كل من الفريقين، و ما هو التفسير الذي يعطى لكل من النظريات التي ظهرت للتأييد أو للمعارضة؟ هذا ما سأتطرق إليه في الفرع الثاني تبعا. الفرع الثاني: موقف الفقه من الإحالة بين مؤيد و معارض. إن النقاش الفقهي حوال موضوع الإحالة قد ظهر على إثر اعتماد القضاء الفرنسي لهذه النظرية بمقتضى الحكم الصادر عنها في قضية فورجو، و منذ ذلك الحين الحجج تتكاثر لتأييد هذا الموقف أو ذاك. أولا: الاتجاه المعارض لنظرية الإحالة. هناك كثير من الفقهاء من انتقد نظرية الإحالة و استندوا في ذلك إلى حجج أعرضها كالآتي: 1 ـ حين تشير قاعدة التنازع في قانون القاضي بتطبيق قانون أجنبي فإنما هي تريد بذلك تطبيق قواعده الداخلية دون قواعد التنازع فيه، لأن هذه القواعد لم توضع إلا للقواعد المشتملة على عنصر أجنبي، فكيف يرجع إليها بصدد وطن الدولة نفسها؟ 2 ـ حين تقضي قاعدة التنازع في قانون القاضي بتطبيق القانون الأجنبي و يرجع القاضي إلى قواعد التنازع في هذا القانون فتحيله إلى قانونه هو بينما قانونه يحيله على القانون الأجنبي فإن الأمر يصير كما لو كانت هناك " لعبة تنس " ففي هذه اللعبة كلما تلقى اللاعب الكرة ردها بمضربه إلى الآخر و لذل تسمى هذه الحجة: حجة مضرب التنس. 3 ـ قد يؤدي الأخذ بالإحالة إلى الإجحاف بحقوق الأفراد و تطبيق نظم قانونية عليهم ليسوا خاضعين لها في بلادهم، مثال ذلك أن يعرض على القاضي الفرنسي طلب بالحجز للسفه على انجليزي مقيم بفرنسا، فلو أخذ القاضي الفرنسي بالإحالة التي تشير بها قاعدة التنازع في القانون الإنجليزي فإنه سيطبق القانون الفرنسي على هذا الإنجليزي و يقضي بالحجر عليه، في حين أنه لو لم يأخذ بالإحالة و طبق القواعد الموضوعية الداخلية في القانون الإنجليزي لقضي برفض طلب الحجر لأن هذه القواعد لا تعرف الحجر للسفه 4 ـ إن فكرة الإحالة لا يمكن اعتمادها إلا إذا استندنا إلى فكرة المجاملة الدولية و هي بذلك تتجاهل الصبغة القانونية أي الإلزامية لقواعد الإسناد، و التي مفادها أنه من غير الملائم حفاظا على توطيد التعاون بين الدول تطبيق القواعد الموضوعية في القانون الأجنبي المختص دون استشارة قواعد تنازع القوانين منه إذ أن هذه الأخيرة ترسم نطاق الأولى 5 ـ إن الإحالة غير مفيدة، ذلك أنهل تحول دون التنسيق بين الحلول المعتمدة في مختلف الأنظمة القانونية، و للتدليل على ذلك عرض الفقه المعارض مثال تقليدي متعلق بتحديد القانون الواجب التطبيق على تركة منقول لفرنسي متوفى في ألمانيا، فلو كان القانونان يستبعدان معا الإحالة لأدى ذلك بالقاضي الفرنسي إذا ما عرض عليه النزاع إلى تطبيق أحكام القانون الألماني باعتباره آخر موطن للمتوفى إعمالا لقاعدة الإسناد الواردة بقانونه و التي تقضي بإخضاع التركة في المنقول لآخر موطن للمتوفى. أما لو رفع هذا النزاع أمام القاضي الألماني فإنه سيعمد إلى تطبيق الأحكام الموضوعية الواردة بالقانون الفرنسي تطبيقا لقاعدة الإسناد الواردة بالقانون الألماني و التي تقضي بإخضاع التركة لجنسية الهالك وقت الوفاة . إن مثل هذا المثال يكشف في نظر معارضي الإحالة عن حقيقة واضحة و هي أن اعتماد الإحالة ليس من شأنه أن يؤدي إلى نوع من التنسيق بين النظامين الفرنسي والألماني. 6 ـ إن الإحالة قد تؤدي بنا إلى حلقة مفرغة، و ذلك حالة تعدد الإحالات من قانون لآخر دون التوصل إلى قانون يريد حكم النزاع المعروض، و صورة ذلك أن يتعلق الأمر بإنجليزي متوطن ببلجيكا و أن يعرض نزاع متعلق بحالته أمام القاضي الفرنسي، فإن هذا الأخير ، إعمالا لقاعدة الإسناد الواردة بقانون سيعمد إلى إخضاعه لقانون جنسيته أي للقانون الإنجليزي، غير أنه لما كان هذا القانون يعتد بضابط الموطن سيحيل مسألة الفصل في النزاع إلى القانون البلجيكي، و هو قانون بدوره يعتمد ضابط الجنسية فيرد مسألة الفصل هاته إلى القانون الإنجليزي باعتباره قانون الجنسية. 7 ـ قد تكون قواعد التنازع في القانون الأجنبي الذي يمنح له الإختصاص التشريعي بمقتضى قواعد الإسناد الواردة بقانون القاضي قواعد دستورية كما هو الأمر في البرازيل فإذا رجع القاضي إلى هذه القواعد و طبقها فإنما يكون قد لجأ إلى تطبيق قاعدة دستورية أجنبية في دولته و هو أمر ينطوي على مساس بسيادة دولة القاضي 8 ـ يستمد القاضي سلطته من قانونه الوطني لا من القانون الأجنبي الصادر من مشرع آخر، و لذلك لا يلزم بالأخذ بالإحالة التي تقررها قواعد الإسناد للقانون الأجنبي و هو إن فعل بغير ذلك فيكون قد خالف أوامر قانونه و خضع لقواعد القانون الأجنبي و على القاضي أن يعمل بمقتضى القانون الذي أشارت إليه قواعد إسناد قانونه دون أن يقلق على مصير الحكم من حيث قابليته للتنفيذ في الخارج ثانيا: الاتجاه المؤيد للأخذ بنظرية الإحالة. فإذا كان الاتجاه الأول معارض لنظرية الإحالة و قدم أنصار هذا الاتجاه الحجج على ذلك، فإن هناك اتجاه ثاني قال بوجود نظرية الإحالة و العمل بها مقدمين بذلك الحجج و الأسس التي تقوم عليها نظرية الإحالة و التي سأتناولها تبعا. أ ـ الحجج التي يستند عليها أنصار هذا الاتجاه. يمكن تلخيصها في النقاط التالية: 1 ـ ان القاضي المرفوع إليه النزاع متى رجع إلى قانون أجنبي فإنه ملزم بتطبيق قواعد هذا القانون بكاملها ( القواعد الداخلية و القواعد المتعلقة بالقانون الدولي الخاص ). 2 ـ ان قاضي دولة ما لا يمكنه أن يفرض الإختصاص على قانون دولة أخرى يرفض حكم العلاقة المعروضة، فإذا كان القانون البريطاني مثلا يرفض حكمة مسألة متعلقة بحالة بريطاني متوطن في فرنسا، فإننا بإخضاع هذا الشخص للقانون البريطاني نكون قد فرضنا على هذا القانون حكم علاقة لا يريد حكمها أصلا. 3 ـ ان الأخذ بالإحالة سيسهل حل الكثير من المسائل التي قد تثور في مجال تنازع القوانين خاصة إذا كانت قاعدة الإسناد تشير إلى تطبيق نظام قانوني مركب كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية أين تتمتع كل من هذه الولايات بنظام قانوني مستقل مما فيه عسر كبير للقاضي. 4 ـ إن الأخذ بالإحالة سيؤدي إلى تسهيل و تعميم الحلول في القضايا حيث سيؤدي إلى تمتيع الحكم الصادر عنه بحجية الشيء المقضي به أمام جميع محاكم الدول الأخرى التي تأخذ بالإحالة، و سيسهل تنفيذه في البلد الذي طبق قانونه طالما أنه قد اتبعت بشأنه ما أشارت إليه قاعدة التنازع الواردة فيه. 5 ـ إلى جانب هذه الحجج التقليدية يحبد الدكتور علي علي سليمان الأخذ بالإحالة من الدرجة الأولى بالنسبة إلى الدول المستوردة للأيدي العاملة كما هو الأمر بالنسبة لليبيا حيث تعتبر دولة مستوردة للأجانب ـ و الكثير منهم من أصل أنجلو أمريكي ـ و بلادهم تنيط الأحوال الشخصية بقانون الموطن فرفض الإحالة في القانون الليبي معناه أن تطبق على الأجانب قوانينهم الشخصية و في تطبيقها إرهاق للقضاء الليبي ب ـ الأسس المستند عليها لتبرير الإحالة: و عند تحليل الأسس التي استند عليها مؤيدو الإحالة فإننا نقسمها إلى أسس فقهية و أسس قضائية: 1 ـ الأسس الفقهية: ان كان الكثير من الفقهاء قد أخذوا بفكرة الإحالة ( خاصة في صورتها الأولى ) فإنهم قد اختلفوا في تبرير أساسها القانوني. * الإحالة تفويض: مؤدى هذه النظرية أن قاعدة الإسناد في دولة القاضي متى أشارت إلى تطبيق قانون أجنبي فإنما تفوض الإختصاص للقانون الأجنبي بكامله أي بأحكامه الموضوعية و تلك المتعلقة بتنازع القوانين نظرا لأن هذه الأحكام غير قابلة للتجزئة، فإذا ما حصل هناك انسجام بين قاعدتي الإسناد ( الوطنية و الأجنبية ) فإنه لن يحدث إشكال ما.أما إذا لم يحصل مثل هذا التوافق فإننا ستكون أمام إخلال لقاعدة الإسناد الأجنبية محل قاعدة الإسناد الوطنية. و قد وجه إلى هذه النظرية نقدان جوهريان: أولهما أنها تتضمن مساسا بسيادة دولة القاضي، و ثانيهما أنها قد تؤدي بنا إلى حلقة مفرغة حالة حدوث ما يسمى بالإحالة اللامتناهية * نظرية الإحالة الكلية: قد أخذ بها القضاء الإنجليزي و يفضل الشراح الإنجليز تسميتها " نظرية المحكمة الأجنبية "، أما الفقهاء الفرنسيون فيطلقون عليها " نظرية الإحالة المزدوجة ". و حسب هذه النظرية ينبغي على القاضي الإنجليزي المعروض عليه النزاع أن يفصل فيه كما يفصل فيه القاضي الأجنبي المختص قانونه وفقا لقواعد الإسناد الإنجليزية أي ينبغي على القاضي الإنجليزي أن يجعل نفسه مكان القاضي الأجنبي و يقضي بما يقضي به هذا الأخير و يقتضي ذلك أن يستشير قواعد الإسناد في هذا القانون و يطبق القانون الذي يشير باختصاصه. و قد انتقدت هذه النظرية في أنها تقوم على نقطة انطلاق خاطئة، فليس من المعقول قصر اختصاص القاضي المعروض إليه النزاع على مجرد تقليد القاضي الأجنبي، كما أنها نظرية تتسم بصبغة نسبية إذ أنها تفترض أن القاضي الإنجليزي هو وحده الذي يتولى عملية التقليد دون غيره من القضاة، و أخيرا فإن هذه النظرية صعبة التطبيق من الناحية العملية إذ أنه يستحيل تطبيقها من أكثر من طرف واحد، و عليه فإذا حدث تنازع بين قضاء دولتين مختلفتين لحكم دولة ما فإنه يتعين لتطبيق هذه النظرية أن يتولى أحدهما فقط الأخذ بأحكامها دون الآخر و إلا سيؤدي إلى حدوث تنازع إيجابي بينهما، و بالتالي يصعب عملا قبول نظرية سيتعصى تطبيقها على أكثر من طرف واحد * الإحالة حل احتياطي: هذه النظرية هي للفقيه لوروبورـ بيجونيير( PIGEONNIERE LERBOURS ) مؤداها أن قاعدة الإسناد في دولة القاضي لا تتجاهل كلية اختصاص القوانين الأجنبية. و مؤدى قاعدة الإسناد الاحتياطية " أنه كلما أعطي الإختصاص لقانون أجنبي لحكم العلاقة القانونية، غير أن هذا القانون رفض هذا الإختصاص، فإن القانون الوطني يصبح واجب التطبيق " ، كما أن هذا الفقيه أقر بإمكانية تطبيق قانون آخر غير قانون القاضي و من ذلك إقراره بتطبيق قانون الموطن بصفة احتياطية على أهلية الأشخاص و حالتهم بدلا من قانون الجنسية متى رفض هذا القانون الإختصاص المنوط به إعمالا لقاعدة الإسناد الواردة بقانون القاضي و الوهم لا الحقيقة، فلا يوجد ما يدل على أن المشرع قد وضع إلى جانب كل قاعدة من قواعد الإسناد الأصلية قاعدة إسناد احتياطية * تفسير الإحالة بفكرة النظام العام ( أو على أساس فكرة الإقليمية ): صاحب هذه النظرية هو الفقيه" نيبولييه NIBOYET "، و نقطة انطلاقه هي نفسها نقطة انطلاق الفقيه " لوروبور ـ بيجونيير " حيث يتعين على القاضي المرفوع إليه النزاع أن يحدد القانون الأجنبي الواجب التطبيق على ضوء قواعد الإسناد المعروفة في قانونه فإذا رفضت قواعد الإسناد الواردة بالقانون الأجنبي الإختصاص المخول لها، فإنه يتعين منح الإختصاص لقانون القاضي إعمالا لفكرة النظام العام ( بمعنى إبقاء هذه العلاقة غير خاضعة لقانون يحكمها مخالف للنظام العام ). و انتقدت هذه النظرية على أساس مبالغتها في عقد الإختصاص لقانون القاضي لما يرفض القاضي الأجنبي الإختصاص المخول له على الرغم من أنه قد يكون النزاع المطروح لا يرتبط بقانون القاضي إلا برباط جد ضعيف هو رباط الإختصاص القضائي فلو تعلق الأمر مثلا بأهلية إنجليزي متوطن في الدنمارك فمن غير المعقول أن يطبق عليه القانون الجزائري على أساس أن القانون الإنجليزي صاحب الإختصاص قد أبدى رفضه له. * تقرير الإحالة استنادا لفكرة التعايش بين الأنظمة القانونية للقانون الدولي الخاص: يرى الأستاذ " باتيفول BATTIFOL " أن المشرع حينما يتولى وضع قاعدة إسناد معينة فإنما يأخذ بعين الاعتبار فكرة التنسيق بين قاعدة الإسناد التي يصدرها و قاعدة الإسناد الأجنبية، مما يؤدي بضرورة الأخذ أيضا بالإحالة من الدرجة الثانية ( أي الإحالة إلى قانون آخر غير قانون القاضي ) قيم الفقه هذه النظرية في أن فكرة التنسيق التي قال بها لم تكن أبدا السبب في اعتماد الفضاء الفرنسي لفكرة الإحالة، و إنما كانت هناك اعتبارات عملية أدت بالقضاء إلى تبني هذه النظرية. 2 ـ الأساس الفعلي للحلول القضائية: الدليل على ذلك قضية فورجو حيث قرر القضاء الفرنسي الأخذ لأول مرة بفكرة الإحالة من الدرجة الأولى في فرنسا مستندا إلى اعتبارات متعلقة بالمصلحة الوطنية لأن تطبيقها من شأنه أن يسمح للحكومة الفرنسية بالاستيلاء على تركة فورجو بوصفها وارثا لمن لا وارث له طبقا لأحكام القانون المدني الفرنسي. و زيادة على المصلحة الوطنية هناك اعتبارات عملية أخرى لعبت دورها، و تتمثل أساسا في ميل القضاة الفرنسيين إلى تطبيق قوانينهم الوطنية و إلى التضييق من مجال إعمال القوانين الأجنبية نظرا للصعوبات التي تعترض طريقهم حين البحث عن مضمون القانون الأجنبي و إذا كانت نظرية الإحالة قد وجدت لها صدى لها لدى قضاء الكثير من الدول و في الكثير من التشريعات، فهل معنى ذلك أنه قد أطلق العنان لها، أم أن هناك قيودا تم إيرادها بشأنها؟ هذا ما سأتناوله في المطلب الثاني تبعا. المطلب الثاني: نطاق تطبيق نظرية الإحالة. رغم إيمان جانب كبير من الشراح الفرنسيين بسلامة الإحالة، فقد اختلف هؤلاء حول نطاق إعمالها، و فيما يلي إبراز المعالم الرئيسية للاتجاهات الفقهية في شأن تحديد مجال الإحالة. إن أنصار الإحالة لم يتخذوا موقفا موحدا في شأنها، فهناك جانب من هؤلاء قد آمن بالإحالة في الأحوال التي يؤدي فيها فقط إلى اختصاص قانون القاضي، و قد تأثر هذا الاتجاه بنفس الاعتبارات التي دفعت القضاء الفرنسي نحو الأخذ بالإحالة إلى قانون القاضي ( أي تطبيق القانون الوطني و اعتباره أعدل القوانين المتنازعة لحكم المسألة المعروضة )، بالإضافة إلى الاعتبارات العملية و صعوبة البحث عن القانون الأجنبي كل ذلك دفع بهذا الاتجاه نحو الإيمان بالإحالة إلى قانون القاضي. و هناك اتجاه آخر لم يتردد في تأييد الإحالة بنوعيها أي حتى و لو كانت من الدرجة الثانية. و قد اتجه فريق آخر من الشراح إلى قبول الإحالة ـ أيا كان نوعها ـ في الأحوال التي يؤدي الأخذ بها إلى تحقيق العدالة، فإذا تبين للقاضي أن تطبيق الأحكام الموضوعية في القانون الذي أشارت قواعد الإسناد الوطنية باختصاصه سيؤدي إلى حل غير عادل فيكون له أن يستشير قواعد الإسناد التي يتضمنها هذا القانون ( أي القانون الأجنبي ) و يقبل الإحالة منها إلى قانون آخر يحقق العدالة على نحو أفضل و يتجه جانب كبير من الفقه المؤيد للإحالة إلى استثناء حالتين لا يجوز فيهما قبول الإحالة أيا كان نوعها و هما: حالة الأخذ بقانون إرادة المتعاقدين، و الحالة الخاصة بقاعدة إخضاع شكل التصرف لقانون بلد إبرامه. 1 ـ استبعاد الإحالة من نطاق المسائل الخاضعة لقانون الإرادة: جرى قضاء و تشريع الدول على إخضاع العقود لدولية لقانون الإرادة أي للقانون الذي يختاره الطرفان صراحة أو ضمنا، فإذا قام نزاع بين هذين الطرفين المتعاقدين فإن القاضي المعروض عليه هذا النزاع سيضطر إلى تطبيق الأحكام الواردة بهذا القانون المختار. غير أنه إذا تبين للقاضي بأن قانون الإرادة يتحدد بقانون دولة ما، و أن هذا القانون يحيل على قانون محل إبرام العقد، فما الحكم؟ إن المستقر عليه لدى الكثير من الدول هو أن القاضي ملزم في مثل هذه الحالة ملزم بتطبيق أحكام القانون المختار لأن القول بغير ذلك سينطوي حتما على تجاهل لإرادة الأطراف المتعاقدة. و الواقع أن هذا الرأي المعتمد فقها و قضاءا قد وجد صدى له أيضا لدى الإتفاقيات الدولية، و من قبيل ذلك ما تقضي به المادة 2 من اتفاقية لاهاي المبرمة في 15 جوان 1955 بشأن البيوع الدولية المتعلقة بالمنقولات المادية التي نصت صراحة على إخضاع هذه البيوع لقانون الإرادة و استبعاد الإحالة من مجالها. 2 ـ استبعاد الإحالة بصدد شكل التصرفات القانونية: جرت الدول على إخضاع شكل التصرفات القانونية المبرمة بين الأحياء لقانون البلد الذي تمت فيه كقاعدة أساسية، و مؤدى هذه القاعدة أنه متى احترم الطرفان المتعاقدان الشكل المنصوص عليه في قانون بلد الإبرام، فإن هذا التصرف المبرم يعتبر صحيحا من الناحية الشكلية. فإذا ما رجع قاضي دولة ما ( و ليكن القاضي الفرنسي مثلا ) إلى بلد الإبرام للتأكد من مدى احترام أطراف العلاقة للأحكام الواردة بهذا القانون أو إخلالها بها، و تبين له أن قاعدة الإسناد الواردة بهذا القانون تسند شكل التصرفات القانونية بين الأحياء لقانون آخر كقانون موطن البائع أو موطن المشتري، فما الحكم؟ إنه من الواضح أن اعتماد الإحالة في مثل هذه الفرضية ينطوي على تجاهل للهدف المبتغى من وراء إخضاع شكل التصرف لقانون محل إبرامه و المتمثل في معرفة أطراف العلاقة لهذا القانون و سهولة تعرفها على أحكامه، و لذلك فإن الإحالة تكون واجبة الاستبعاد من هذا المجال أيضا المبحث الثاني: نظرية الإحالة في القانون الجزائري مقارنا. بعد التطرق للنظرية العامة للإحالة من حيث مفهومها و مجال تطبيقها و موقف الفقه منها بين التأييد و المعارضة، فقد ارتأيت لأن أتناول في هذا المبحث مجال نظرية الإحالة في القوانين الوضعية، سواء كان ذلك في القوانين المقارنة أو القانون الجزائري. و على هذا فسأقسم هذا المبحث إلى مطلبين أتناول في الأول موقف القانون المقارن من نظرية الإحالة، و ذلك في القضاء الفرنسي، القانون التشيكي، القانون الدولي الخاص الألماني الجديد، القانون المصري، القانون اللبناني، القانون الأردني و القانون المغربي. أما المطلب الثاني سأخصصه لموقف المشرع الجزائري من نظرية الإحالة قبل و بعد تعديل القانون المدني الجزائري سنة 2005. المطلب الأول: موقف القانون المقارن من نظرية الإحالة. كما ذكرت آنفا سأتناول موقف القوانين المقارنة من نظرية الإحالة، إن كانت نصت على الإحالة أو رفضتها و ذلك كالآتي: أولا: نظرية الإحالة في القضاء الفرنسي. رأينا أن الإحالة اعتمدت في فرنسا منذ قضية " فورجو " عام 1878، و قد أصبحت منذ ذلك التاريخ سمة دائمة لاجتهاد محكمة النقض، بمعنى أن القانون الأجنبي لا يطبق أبدا إذا رفضت قاعدته التنازعية الإختصاص المعروض عليه من قبل قاعدة قاضي الدعوى، و لا يبدو أن محكمة النقض اتخذت موقفا صريحا من الجدل المذهبي القائم حول تبرير الإحالة، و إن كانت قراراتها الرئيسية ارتبطت أحيانا بنظرية الإحالة كتفويض و أحيانا بنظرية الإحالة كتسوية فرعية ثانيا: الإحالة في القانون التشيكي. يعتبر القانون الدولي الخاص التشيكي الصادر سنة 1963 من مقدمة التشريعات التي تأثرت بشكل مباشر بالنظرية القائلة باحترام الغاية من قاعدة الإسناد عند قبول الإحالة أو رفضها، حيث تنص المادة 35 من هذا القانون على أنه: " إذا عينت نصوص القانون الدولي الخاص التشيكي قانون دولة ما، و أحالت نصوص هذا القانون الأخير إلى القانون التشيكي أو إلى قانون دولة أخرى في حالة الإحالة من الدرجة الثانية فإن تلك الإحالة يمكن قبولها إذا كان ذلك القبول يؤدي إلى حل معقول و عادل للعلاقة المعنية ". و يتمتع القاضي التشيكي بسلطة تقديرية في قبول الإحالة أو رفضها و ذلك بالنظر إلى المعطيات و الظروف الخاصة بكل حالة على حدة، و المعيار المرشد للقاضي هنا هو أن يؤدي إعمال الإحالة إلى حل مادي معقول و عادي بصدد العلاقات محل البحث. ثالثا: نظرية الإحالة في القانون الدولي الخاص الألماني الجديد. تنص المادة 4 من القانون الدولي الخاص الألماني الجديد الصادر في 25 يوليو 1986 على ما يلي: " إذا تم تعيين قانون دولة أجنبية، فإنه يجب أن تطبق أيضا قواعد الإسناد المعنية الموجودة في قانون هذه الدولة بالقدر الذي لا تتعارض فيه هذه القواعد مع روح قاعدة الإسناد الألمانية. و يجب أن تطبق القواعد الموضوعية في القانون الألماني. إذا كان للأطراف حرية اختيار قانون إحدى الدول فإن حريتهم في هذا الصدد قاصرة على اختيار القواعد المادية لهذا القانون دون سواها ". يتضح من نص هذه المادة أن القانون الدولي الخاص الألماني الجديد يقبل الإحالة من الدرجة الأولى و أيضا الإحالة من الدرجة الثانية، حيث أن الفقرة الأولى من هذه المادة جاءت مطلقة في نصها على ضرورة تطبيق قواعد الإسناد المعنية في قانون الدولة الأجنبية الذي أشارت قاعدة الإسناد الألمانية بتطبيقه على العلاقات القانونية ذات العنصر الأجنبي. و عليه فإن المادة 4 أوردت مبدأ عاما هو قبول الإحالة، و أن هذا المبدأ مقيد بألا يترتب على هذا القبول إهدار لروح قاعدة الإسناد الألمانية رابعا: موقف القانون المصري من الإحالة. كانت المادة 31 من لائحة التنظيم القضائي تقضي برفض الإحالة في مصر و كان النص قاصرا على مواد الأحوال الشخصية للأجانب و التي تضمنت اللائحة بعض قواعد الإسناد الخاصة بها. و لما صدر القانون المدني المصري الجديد، حرص المشرع على النص على رفض الإحالة في صياغة عامة لا تخص مواد الأحوال الشخصية وحدها، فقد نصت المادة 27 على أنه: " إذا تقرر أن قانونا أجنبيا هو الواجب التطبيق فلا يطبق منه إلا أحكامه الداخلية دون التي تتعلق بالقانون الدولي الخاص ". و عليه فإن هذه المادة جاءت عامة و متضمنة رفض الإحالة، سواء في الأحوال الشخصية أو في المعاملات المالية. خامسا: الإحالة في القانون اللبناني. معرفة موقف القانون اللبناني من الإحالة تقتضي منا التعرض إلى موقف المشرع اللبناني من جهة، و موقف القضاء اللبناني من جهة أخرى. 1 ـ موقف المشرع اللبناني من الإحالة: على عكس التشريعات المعاصرة و التي اتخذت موقفا صريحا من الإحالة إما بالقبول أو الرفض، فإن المشرع اللبناني لم يتخذ موقفا صريحا من الإحالة قبولا أو رفضا. 2 ـ موقف القضاء اللبناني من الإحالة: لم يتخذ الاجتهاد اللبناني من الإحالة موقفا موحدا، فبينما قبلت بعض الأحكام الإحالة رفضها البعض الآخر. و قد طرح موضوع الإحالة لأول مرة في لبنان في عام 1938 أمام المحاكم المختلطة بخصوص منازعة متعلقة بتركة مواطن أمريكي من ولاية بنسلفانيا توفي تاركا أموالا عقارية في لبنان. و قد رفضت المحكمة الإبتدائية المختلطة في بيروت الأخذ بالإحالة. و هو الحل الذي رفضته محكمة التمييز المختلطة التي قررت بشكل ضمني قبول الإحالة. إلا أن موقف محكمة التمييز اللبنانية بدأ يتحول من قبول الإحالة كمبدأ عام إلى رفض الإحالة ابتداءا من القرار الصادر عنها في 20 أفريل 1955 في قضية " سرقس ". و تتعلق وقائع هذه القضية في أم امرأة عثمانية كانت قد اكتسبت الجنسية الفرنسية بزواجها من فرنسي، و بعد وفاة زوجها عادت لتقيم في لبنان، و توفيت في لبنان تاركة أموالا عقارية و منقولة. و قد اختلف الورثة حول القانون الواجب التطبيق على التركة، فبينما ذهب البعض إلى المطالبة بإعمال القواعد المادية في القانون الفرنسي الذي أشارت إليه قاعدة الإسناد اللبنانية المطبقة على الميراث ( خضوع الميراث لجنسية المورث )، ذهب البعض الآخر إلى ضرورة إعمال قواعد الإسناد في القانون الفرنسي و التي تعقد الإختصاص التشريعي بشأن الميراث في العقارات لقانون موقعها، و تخضع الميراث في المنقول لقانون موطن المتوفى أي إعمال أحكام القانون اللبناني في الحالتين. و قد قررت محكمة استئناف بيروت الأخذ بالإحالة و وزعت التركة وفقا للقانون اللبناني و لقد نقضت محكمة التمييز حكم محكمة استئناف بيروت، أي رفضت الإحالة. سادسا: الإحالة و حكم القانون الأردني فيها. رفض القانون الأردني في المادة 28 من القانون المدني الأخذ بالإحالة حيث نصت على ما يلي: " إذا تقرر أن قانونا أجنبيا هو الواجب التطبيق فلا يطبق منه إلا أحكامه الداخلية دون التي تتعلق بالقانون الدولي الخاص ". و على القاضي الأردني عملا بهذا النص، إذا ما عرض عليه نزاع يتعلق بعلاقة قانونية مشوبة بعنصر أجنبي ألا يطبق إلا القواعد الموضوعية للقانون الأجنبي الذي أهدته إليه قاعدة الإسناد، و لا محل بعد ذلك للنظر فيما يراه المشرع الأجنبي في قواعد إسناده. و ما قررته المادة 28 من مبدأ رافض للإحالة هو كقاعدة عامة يرد عليها بعض الإستثناءات، إذ جاء في نص المادة 24 من نفس القانون: " لا تسري أحكام المواد السابقة إذا وجد نص في قانون خاص أو معاهدة دولية نافذة في المملكة الأردنية الهاشمية تتعارض معه "، حيث أجازت هذه المادة الخروج عما تقرره قواعد الإسناد بنص خاص أو اتفاقية سابعا: الإحالة في القانون المغربي. إن القانون الداخلي المغربي لا يتضمن نصا صريحا يحدد موقف المشرع المغربي من نظرية الإحالة، و قد حرصت بعض المقتضيات الاتفاقية الدولية على تبيان وجهة نظر المشرع المغربي من مشكلة الإحالة، حيث أن المادة 3 من الاتفاقية المغربية الفرنسية المؤرخة بـ 10 أوت 1981 ، المتعلقة بحالة الأشخاص و الأسرة و بالتعاون القضائي، تنص على أنه إذا أحالت قاعدة من قواعد الإسناد المقررة في إحدى الدولتين المتعاقدتين على قانون الدولة الأخرى، فإن المقصود هو القواعد الموضوعية دون قواعد القانون الدولي الخاص. كما أن القضاء المغربي لم يصدر عنه أي قرار صريح بقبول الإحالة أو رفضها و الذي يستفاد من أحكام القضاء هو أن الإحالة غير معمول بها في القانون الدولي الخاص المغربي، بدليل أن القاضي في المغرب لا يطبق، في حالة تعيين قاعدة الإسناد المغربية قانونا أجنبيا لحكم النزاع، إلا القواعد الموضوعية لهذا الأخير و نشير إلى أن هناك مجموعة من الدول الأخرى من استبعدت الإحالة صراحة و من قبيل ذلك إيطاليا ( بمقتضى المادة 30 من الأحكام الأولية المتعلقة بالقانون المدني الصادر سنة 1942 )، و البرازيل ( بقانون 04/11/1942 )، اليونان ( القانون المدني لسنة 1946 )،البرتغال ( المادة 16 و ما بعدها من القانون المدني الصادر في 25/11/1966 ) و الدول الإسكندنافية المطلب الثاني: موقف المشرع الجزائري من نظرية الإحالة قبل و بعد تعديل القانون المدني لسنة 2005. أولا: قبل تعديل القانون المدني الجزائري في سنة 2005. لقد سكت المشرع الجزائري في ظل هذا القانون عن مسألة الإحالة بحيث لم يورد نصا لا بالجزم و لا بالنفي، و من ثم فإنه يبقى أمام الفقه أن يتولى مهمة البحث عما إذا كان من المحتمل أن يأخذ القضاء الجزائري بنظرية الإحالة. و قد سبق للأستاذ الدكتور" علي علي سليمان " أن أبدى ملاحظاته بصدد هذه المسألة في مذكراته في القانون الدولي الخاص الجزائري حيث جاء فيه: " كنا نتمنى لو أن القانون المدني الجزائري أخذ بها في صورتها الأولى، كما فعل القضاء الفرنسي على أن يكون ذلك في نطاق الأحوال الشخصية و ذلك لأن الجزائر دولة مستوردة للأجانب، و ليست مصدرة لأهلها و كثير من هؤلاء الأجانب من أصل أنجلوأمريكي و بلادهم تنيط الأحوال الشخصية بقانون الموطن، فرفض الإحالة في القانون الجزائري معناه أن تطبق على هؤلاء الأجانب قوانينهم الشخصية و هي عديدة و في تطبيقها إرهاق للقضاء الجزائري، و يترتب على تطبيق هذه القوانين تضييق مجال القانون الجزائري " و عند تحليل هذا النص يتبين لنا أنه قد ارتأى في عدم نص المشرع الجزائري على الإحالة صراحة بالرفض إمكانية اعتمادها من طرف القضاء الجزائري. ثانيا: موقف المشرع بعد تعديل القانون المدني سنة 2005. لقد مس التعديل الجديد للقانون المدني الذي أحدثه المشرع بموجب القانون رقم 05/10 مؤرخ في 20/06/2005 المعدل و المتمم للقانون المدني الجزائري عدة مواد من القانون المدني، و كذا قواعد الإسناد حيث عدلت المواد الآتية:10، 11، 12، 15 16،17، 18، 19، 21، 23، 24. و قد أضيفت مواد أخرى تمثلت فيما يلي: 13 مكرر، 13 مكرر1، 17 مكرر، 23 مكرر 23 مكرر1، 23 مكرر2. و ما يهم موضوع بحثي هو ما نص عليه المشرع الجزائري في المادة 23 مكرر1 من القانون المدني، حيث تنص على ما يلي: " إذا تقرر أن قانونا أجنبيا هو الواجب التطبيق فلا تطبق منه إلا أحكامه الداخلية دون تلك الخاصة بتنازع القوانين من حيث المكان. غير أنه يطبق القانون الجزائري إذا أحالت عليه قواعد تنازع القوانين في القانون الأجنبي المختص ". يتبين من هذه المادة و المشكلة من فقرتين ، أن المشرع الجزائري اتخذ موقفا حاسما فيما يخص نظرية الإحالة بعد السكوت الذي عرفه في القانون السابق، إذ يتبين من الفقرة الأولى أنه اعتمد مبدأ عاما و هو " الأخذ بنظرية الإحالة " ، لكنه أورد على هذا المبدأ استثناء في الفقرة الثانية و هو " الأخذ بالإحالة من الدرجة الأولى فقط دون الثانية". خاتمة: بعد التطرق للنظرية العامة للإحالة من كل جوانبها، و بعد معرفة موقف القوانين الوضعية منها و كذا القانون الجزائري، فإنني سأحاول وضع النتائج التالية: 1 ـ نكون بصدد الإحالة إذا توافر شرطان: أن يكون هناك تنازع سلبي بين القانون الوطني و القانون الأجنبي، و أن يستند القاضي المعروض أمامه النزاع لقواعد التنازع الواردة في القانون الأجنبي الذي أشارت قاعدة الإسناد الوطنية إلى تطبيقه. 2 ـ يمكن تحديد الإحالة بأنها: " الفكرة التي تقضي بتطبيق قواعد الإسناد في القانون الأجنبي المختص بحكم العلاقة بمقتضى قواعد الإسناد المقررة في قانون القاضي، متى اختلفت مع هذه الأخيرة، و كان التنازع بينهما سلبيا ". 3 ـ تأخذ الإحالة صورتان هما: إحالة من الدرجة الأولى، و إحالة من الدرجة الثانية. مع الإشارة إلى أن أغلب التشريعات التي تأخذ بالإحالة، فإنها تأخذها في صورتها الأولى أي الإحالة من الدرجة الأولى. 4 ـ اختلفت الآراء الفقهية بين مؤيد و معارض لنظرية الإحالة، إلا أنها تبقى أداة فنية ذات طابع وظيفي فهي وسيلة من وسائل السياسة التشريعية، يلجأ إليها المشرع إذا وجد من المناسب استخدامها في نطاق معين. 5 ـ نظرا للاعتبارات التي تلعبها الإحالة فقد راجع المشرع موقفه و أبدى موقفه حيال نظرية الإحالة و نص على الاعتداد بها طبقا للمادة 23 مكرر1 من القانون المدني الجزائري، مبينا الأخذ بالإحالة من الدرجة الأولى. قائمة المراجع: 1 ـ أحمد زوكاغي، أحكام القانون الدولي الخاص في التشريع المغربي، تنازع القوانين دار توبقال للنشر، ط1، 1992، المغرب. 2 ـ أعراب بلقاسم، القانون الدولي الخاص الجزائري، تنازع القوانين، ج1، دار همومه للطبع و النشر، 2004، الجزائر. 3 ـ حبار محمد، مذكرات في القانون الدولي الخاص الجزائري و المقارن، ج2. 4 ـ حسن الهداوي، القانون الدولي الخاص، تنازع القوانين، المبادئ العامة و الحلول الوضعية في القانون الأردني، مكتبة دار الثقافة للنشر و التوزيع، 1997، الأردن. 5 ـ حفيظة السيد حداد، الموجز في القانون الدولي الخاص، المبادئ العامة في تنازع القوانين، الكتاب الأول، منشورات الحلبي الحقوقية، 2003، بيروت. 6 ـ علي علي سليمان، مذكرات في القانون الدولي الخاص الجزائري، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر. 7 ـ موحند إسعاد، القانون الدولي الخاص، ج1، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر. 8 ـ هشام علي صادق، دروس في القانون الدولي الخاص، الدار الجامعية للطباعة و النشر، بيروت. فهرس: مقدمة.................................................................................................1. الخطة................................................................................................2. النظرية العامة للإحالة.............................................................................3. مفهوم الإحالة وموقف الفقه منها بين مؤيد و معارض.......................................4. المقصود بالإحالة و صورها......................................................................4. الإحالة من الدرجة الأولى.........................................................................5. الإحالة من الدرجة الثانية..........................................................................6. موقف الفقه من الإحالة بين مؤيد و معارض...................................................7. الاتجاه المعارض لنظرية الإحالة................................................................8. الاتجاه المؤيد للأخذ بنظرية الإحالة...........................................................10. الحجج التي يستند عليها أنصار هذا الاتجاه..................................................10. الأسس المستند عليها لتبرير الإحالة..........................................................11. نطاق تطبيق نظرية الإحالة....................................................................15. استبعاد الإحالة من نطاق المسائل الخاضعة لقانون الإرادة...............................16. استبعاد الإحالة بصدد شكل التصرفات القانونية...........................................16. نظرية الإحالة في القانون الجزائري مقارنا................................................18. موقف القانون المقارن من نظرية الإحالة...................................................18. نظرية الإحالة في القضاء الفرنسي..........................................................18. الإحالة في القانون التشيكي...................................................................19. نظرية الإحالة في القانون الدولي الخاص الألماني الجديد................................19. موقف القانون المصري من الإحالة..........................................................20. الإحالة في القانون اللبناني....................................................................20. الإحالة و حكم القانون الأردني فيها..........................................................22. الإحالة في القانون المغربي...................................................................22. موقف المشرع الجزائري من الإحالة قبل و بعد تعديل القانون المدني................24. قبل تعديل القانون المدني الجزائري في سنة 2005......................................24. موقف المشرع بعد تعديل القانون المدني لسنة 2005....................................25. خاتمة............................................................................................26. قائمة المراجع..................................................................................27. فهرس...........................................................................................28.